
محمد مشارقة
بين مظاهرتي "معا ضد العنف" و"كش ملك" تقف القاهرة على أبواب حالة من الفوضى السياسية والاجتماعية، تنذر باضمحلال ما تبقى من الدولة المصرية العتيقة.
في الحدثين، تتفاوت الشعارت والرؤى التي تعكس الانقسام والتشرذم. في ميدان النهضة وأمام جامعة القاهرة جاء أنصار السلفية الجهادية في الجماعة الإسلامية من كل أنحاء الجمهورية يشاركهم رمزيا جماعة الإخوان المسلمين، ورغم أن الهدف المعلن للمليونية مواجهة العنف، إلا أن الشعارات لا تقل عن الضرب بيد من حديد وقطع رقاب المفسدين، وما أثار سخرية الشارع المصري، أن اللافتة الرئيسية كانت تضم صور الشخصيات المستهدفة في قائمة اغتيالات خلية مدينة نصر وتضم شخصيات سياسية وإعلامية وتصفها بالمفسدين والساعين إلى خراب الدولة، مستخدمين الآية الكريمة "إن الله لا يصلح عمل المفسدين" والتي فسرها علماء الأزهر بأنها آية تطبيق حد الحرابة، وعلى الرغم من تبرؤ الإخوان والمجموعات السلفية من مضبوطات النيابة من قائمات اغتيالات وأسلحة، إلا أن حجم التحريض على المعارضة والإعلام يؤكد بحسب رفعت السعيد زعيم التجمع أنها مظاهرة إرهاب القوى السياسية المطالبة بإسقاط الحكومة، ويصف أحمد خيري أحد قادة حزب المصريين الأحرار مظاهرة نبذ العنف بأنها من تنظيم جماعة أثبت التاريخ تورطها في جرائم قتل واغتيال وتخريب المنشآت في فترة السبعينات و الثمانيات من القرن الماضي. في إشارة إلى قادة السلفية الجهادية الذين تصدروا المشهد في ميدان النهضة، ومعهم على المنصة والدة الإسلامبولي قاتل السادات والتي كرمت في هذا اليوم باعتبارها أم الشهيد .
على الجانب الآخر و أمام قصر القبة هذه المرة تجمع الآلاف من المعارضين الراديكاليين من الاشتراكيين الثورين إلى نشطاء الالتراس وجماعات أخرى فوضوية لا تقبل بغير رحيل الرئيس الإخواني ورحيل النظام وحل جماعة الإخوان باعتبارها حركة غير قانونية وفي الخلفية أيضا بعض نشطاء جبهة الإنقاذ من التيار الشعبي والدستور والديمقراطي الاجتماعي بشعارات هادئة تطالب بإسقاط الدستور وإعلان حكومة إنقاذ وطني بدلاً من الحكومة الحالية .
في الصورة الكلية تبدو القوى السياسية الرئيسية وكأنها تستعين بواجهات متطرفة تواطؤا وصمتا، ليصل المراقب الخارجي الزائر لمصر إلى خلاصة مفادها أن البلد مقبلة على صدام دموي لن يوقفه غير تدخل الجيش وإعلان الأحكام العرفية، وهو المطلب الذي بات مقبولا لدى الغالبية العظمى من المصريين العاديين، أو ما يعرف هنا بـ "حزب الكنبة " بل إن البعض يمضي إلى أبعد من ذلك، أي تمني عودة النظام القديم بكل رموزه الفاسدة، حتى أن مهندسا من الطبقة الوسطى الميسورة وأحد مصابي ثورة 25 يناير قال لي بصراحة " البلد حالها واقف والإخوان باعونا الهواء، وإذا خيروني الآن بين الفاشية الإخوانية وعودة عصابة مبارك الفاسدة فسأختار جماعة مبارك" وعندما قلت إن أمامكم فرصة انتخابات البرلمان لتعبروا عن مطالبكم بصورة سلمية، يرد غاضبا إن سبعة أشهر من حكم الإخوان مكنتهم من فرض دستور لا يجمع عليه غالبية المصريين كما أن قانون الانتخابات البرلمانية فصل على مقاس الإخوان وأشقائهم السلفيين، وبالتالي نحن أمام تصفية تدريجية للدولة المصرية المدنية لصالح الدولة الدينية حسب تعبيره. ولا يبدو غضب جيل الشباب يصب في صالح المعارضة وأحزابها الرئيسية، بل إن جبهة الإنقاذ تبدو في حالة ضعف وانقسام ولهاث خلف شعارات الشارع التي تتطور يوما بعد يوم نحو التطرف والعنف، في يأس معلن من كل القوى السياسية المصرية. ويصل أحد القيادات العمالية البارزة في جبهة الإنقاذ كمال أبوعيطة إلى إطلاق صرخة تحذير، والحديث صراحة عن وجود فجوة متسعة بين جبهة الإنقاذ والشارع المصري والعمال والفلاحين، مضيفًا أن هناك حالة من التردد بين مواقف قيادات الجبهة، وأنها لا تركز على البعدين الاقتصادي والاجتماعي .
لسان حال الشارع القاهري من سائق التاكسي إلى عامل الفندق إلى النخبة السياسية والثقافية التي التقيناها يقول إن الثورة لم تحقق أهدافها ولا أيا من شعاراتها في العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ولم تقتص من قتلة الثوار، ناهيك عن إحساس عام وغاضب يقول، إن الثورة قد سرقت من أصحابها وصناعها الأصليين، وإن الإخوان سيطروا وأنصارهم على مفاصل الدولة. وتتأمل في ما اصطلح عليه بالدولة العميقة فلا تجد له أثرا، فيما حكايات الناس تشير إلى أن ما كان عميقا، هو الدولة الأمنية البوليسية. الدولة اليوم غائبة بالفعل، وفي حالة من الشلل والترهل والقلق، أمن غائب فعليا مع إضراب أقسام الشرطة، والجريمة والبلطجة في تزايد ملحوظ، مواطنون غاضبون ومحبطون ولا أحد يطمئنهم أو يستمع لصرخاتهم. ومع تراخي قبضة الدولة وعجزها وتلعثم الرئاسات وتناقضاتها، يتصدر المشهد شيوخ الإخوان والسلفيين بتعبيراتهم المختلفة ليحلوا محل الناطق باسم الرئاسة والحكومة وتقديم الوعود بأوهام الرخاء ومشاريع نهضوية باتت محل تندر وسخرية المصريين .
أمام هذه الصورة القاتمة يتبادر إلى ذهن المراقب سؤال من مع النظام إذن؟ هل القاهرة استثناء؟ ومن أين يستمد الإخوان والسلفيون الجهاديون كل هذه القوة والثقة بالنفس؟ ومن أين أتوا بحشود المؤازرين في ميدان النهضة؟ هل هو الصعيد، الخزان الرئيس للتشدد والتطرف أم من العشوائيات وأحياء الفقر؟ يأتيك الجواب بأن مشهد القاهرة وصحفها وصورتها التلفزيونية ومقاهيها وميدان تحريرها، ليس تعبيرا حقيقيا عن توازن القوى في مصر ولا زالت مدن ومحافظات الصعيد والدلتا معاقل أساسية للقوى الدينية، وهي المناطق التي عانت من التهميش والإهمال في ظل النظام السابق، وسيطر شيوخ السلفية والأصولية بتلاوينها المختلفة على عقول وأفئدة الناس بفتاويهم التي تدخل في أدق تفاصيل حياتهم اليومية .
هكذا بتنا أمام حالة من الانقسام والاستقطاب الشديد في المتجمع والذي يتعمق تدريجيا، ويلقي العديد من مثقفي مصر مسؤولية انسداد الآفاق والانقسام على الحزب الحاكم والرئاسة، بما في ذلك الفشل في قراءة الخريطة السياسية والوصول إلى حالة من التوافق السياسي والاجتماعي الذي يجنب البلاد حالة الفوضى والعنف، ولا يرى الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة مخرجا ولا آليات للحلول في الوقت الراهن، بل يعتبر أن الوضع بات تربة خصبة لظهور حالة من العنف المتبادل بين المعارضين والمؤيدين .
ووسط الاتهامات المتبادلة بالمسؤولية عن البدء باستخدام العنف والسلاح كوسيلة لفرض الإرادة السياسية يرصد الباحث والمفكر السياسي السيد ياسين لحظات التحول في الثورة المصرية وصولا إلى حالة الفوضى العارمة في الشارع السياسي، فالتردد في تحقيق أهداف الثورة ،أدى إلى تفكك بنية الثورة الأصلية وتفرقها إلى جبهات متعددة ودخول شرائح اجتماعية لم تكن أصلا في الصفوف الأولى للثورة حين قامت، ما أدى إلى فوضى عارمة وإلى زيادة معدلات استخدام العنف ضد قوات الأمن التي بادلت المظاهرات عنفا بعنف، ودخلت البلاد في حلقة مفرغة بحيث بتنا لا نستطيع التمييز بين القاتل والمقتول .
أغادر القاهرة ويتملكني قلق عميق على مستقبل مصر، فالحلول العاقلة تتلاشى، ولا تشير تصرفات الإخوان إلى أنهم في الطريق إلى مراجعة المسار، وكأننا قبالة معركة فاصلة بين الإيمان والكفر، ولا يبدو في الأفق أن مبادرة حزب النور والتوافق حولها مع جبهة الإنقاذ قابلة للتنفيذ، " حكومة جديدة الآن، تعديلات دستورية ملزمة، وإقالة النائب العام المعين من الرئيس".
الخامس والعشرون من الشهر الجاري هو الموعد الفصل بين خيار الفوضى والتعقل، يوم بدء إجراءات الانتخابات النيابية، إذا لم يستجب إخوان مصر ورئيسهم للمطالب الثلاثة فإن المعارضة في غالبيتها ستذهب مع خيار المقاطعة، وتكون اللعبة قد انتقلت بكاملها إلى الشارع، بما يفوق قدرة المعارضة والموالاة على التحكم بالنتائج.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحبا بك نرحب بتعليقك على النشر