«الحلقة الأخيرة».. من أين لك هذا؟

جماعة الإخوان
نشر: 20/3/2013 4:03 ص – تحديث 20/3/2013 4:05 ص
دراسة: عمرو صلاح
على مدى 10 حلقات مختصرة قدر الإمكان حاولت جريدة «التحرير» الكشف عن هوية أبرز ممولى الجماعة فى الداخل والخارج، وليس كلهم بالطبع، واستندت فى ذلك إلى معلومات دقيقة وموثقة تنوعت مصادرها ما بين تقارير دولية، وصحف عربية وأجنبية، ورسالة ماجستير قدمت إلى جامعة سامنت دياجوا، ووثائق صادرة عن مجلس الأمن، وكتب ودراسات ومقالات عن الجماعة، إضافة إلى معلومات تم جمعها من مواقع إلكترونية عدة من بينها موقع الجماعة نفسها وعدد من المدونات الإلكترونية التابعة لأسر الأشخاص محل الدراسة، إضافة إلى معلومات تم الحصول عليها من المواقع الأم لشركات تملكها الجماعة أو يحوز أحد رجال أعمالها توكيلاتها، ومعلومات أخرى كان مصدرها تقارير للبنك المركزى المصرى، وتحقيقات للنيابة العامة ونيابة أمن الدولة العليا التى تولت التحقيق مع قيادات إخوانية عدة خلال العقد الماضى، ولقاءات أعدتها الجريدة مع معنيين بهذا الشأن. وإن كنا قد سعينا قدر الإمكان فى تلك الحلقات إلى رصد لتلك المعلومات بشكل متسلسل دون التطرق إلى تحليل سياسى مفصل لها. لكن فى النهاية نجد أن هناك عددا من النتائج الهامة التى تم استخلاصها من تلك السلسلة التى يجب الإشارة إليها بشكل مفصل فى السطور التالية
إجمالى الأموال المرصودة فى عمليات غسل الأموال مجمعة 22 مليون دولار و2.7 مليون يورو.. فماذا عن حجم ما لم يتم رصده؟
أولاً: الوعاء المالى للجماعة
فى ظل غياب أى أوراق رسمية عن موارد جماعة الإخوان المسلمين أو إنفاقاتها يكاد يكون من المستحيل القول إن مصدر الأموال التى تمتلكها جماعة الإخوان المسلمين وتمكنها من الإنفاق بشكل ضخم فى منافسة سياسية غير متكافئة مع القوى السياسية الأخرى هى حصيلة تبرعات الأعضاء، فحصيلة التبرعات على اتساعها أيضا مقارنة بما تنفقه الجماعة لا تمثل سوى النذر القليل جدا من تمويل ضخم.
وبالتالى يبقى الجزء الأكبر من هذا الوعاء المالى قائما بالأساس على أمرين، عوائد استثمارات مالية تدرها استثمارات داخلية يقوم بها رجال أعمال الجماعة، وتمويل خارجى يمرر إلى الجماعة عبر وسائل وطرق مختلفة من خلال مؤسسات وسيطة تعمل فى الخارج تحت غطاء المجتمع المدنى أو العمل التطوعى أو الإغاثة، وربما تدخل تلك الأموال الممررة فى عمليات استثمارية داخلية، وتستمر الدورة المالية التى تدر مبالغ باهظة سنويا لصالح الفصيل السياسى الحاكم.. وفى هذه الحلقات فقط وعلى سبيل المثال لما أمكن كشفه، تظل عمليات غسل الأموال التى رصدناها ما قيمته 22 مليون دولار و2.7 مليون يورو.. فماذا عن الباقى؟! وماذا عن حجم العمليات التى لم ترصد؟ وبناء عليه فيبدو أنه من الصعب تصور أن الأموال الموجودة فى يد رجال الأعمال المنتمين إلى الجماعة هى أموال يمتلكونها هم أنفسهم، بل إن أغلب الاستثمارات التى يخوضها هؤلاء هى استثمارات قائمة على رؤوس أموال مصدرها الجماعة نفسها، وهذا يتضح بشكل كبير فى حجم التشابك وشبكة الشراكات المعقدة والمتداخلة بين رجال الأعمال هؤلاء، وعلاقات المصاهرة العائلية التى تظل حلقة الوصل فى أغلبها من حيث الأهمية أولا المهندس خيرت الشاطر، ثانيا رجل الأعمال الإخوانى حسن مالك اللذان يظلان الشريكين الأبرزين من أغلب رجال الأعمال الإخوانيين، وهو أمر من المؤكد أنه لم يحدث من قبيل المصادفة، بل ربما يحمل قرينة واضحة عن مسؤولية كلا الشخصين عن اللجنة المالية للجماعة وإدارة استثماراتها فى الداخل والخارج.
تورط حسن مالك فى علاقات تطبيع اقتصادية مع إسرائيل يفسر طبيعة العلاقة القائمة بين النظام الإخوانى الحالى والكيان الصهيونى
ثانيًا: انهيار أيديولوجية المقاومة
الحلقات كانت كاشفة عن تحطم موثق لأبرز المبادئ القائمة عليها الأسطورة الأيديولوجية للجماعة التى كثيرا ما سعت إلى تبنيها كواجهة، حيث اعتادت الجماعة أن تقدم نفسها على أنها نظام بديل لمبارك ساع لإقامة نظام حكم إسلامى فى قلبه معاداة إسرائيل ورفض سياسة نظام مبارك مع تلك الدولة، لكن الكشف عن تورط حسن مالك رجل أعمال الإخوان الأبرز فى علاقات تطبيع اقتصادية مع إسرائيل ربما كانت تفسيرا دقيقا لطبيعة العلاقة القائمة حاليا بين النظام الحالى وإسرائيل، ومبررا للسعى الأمريكى لوضع هذا النظام على رأس السلطة فى مصر، خصوصا أن الأيديولوجية الحقيقية الخفية التى يقوم عليها التنظيم ليست ببعيدة عن سياسة مبارك التطبيعية التى كثيرا ما أعلن الإخوان المسلمون رفضهم لها فى العلن، بينما كان الخفاء يحمل واقعا مختلفا! لا يكترث بوجود علاقات اقتصادية مع دولة مثل إسرائيل، وانتهاج سياسات اقتصادية رأسمالية متطرفة، السمة العامة أن أغلبها ذو طابع استهلاكى ما عدا استثناءات محدودة جدا، وهكذا تعمل أضلاع المثلث الاقتصادى للجماعة «مالك، والشاطر، وسعودى» فاستثماراتهم أغلبها قائم كما ذكرنا على عمليات بييع وشراء لسلع منتجة بالفعل، أو استيراد وتصدير لتلك السلع، سواء كانت أغذية أو ملابس أو أجهزة كهربائية أو توكيلات لماركات عالمية، أو سعى للتعامل فى البورصة من خلال المضاربات، وهى أنماط اقتصادية تعرف بأنها ذو طابع استهلاكى «لا تحظى بقيمة اقتصادية مضافة»، وبالتالى فإن عوائد تلك الاستثمارات تصب فى النهاية فى جيوب المستثمرين لصالح الجماعة كمزيد من الأرباح دون أى قيمة إضافية تمنح للاقتصاد الذى يعمل هؤلاء فى ظله، أما المستهلك فيغرق فى مزيد من الاستهلاك وتضمحل قدرته الشرائية تدريجيا مع أقل أزمة اقتصادية تمر بها البلاد.
ثالثا: العلاقة الاقتصادية مع نظام مبارك
على مدار عقود نجحت قيادات الجماعة فى إقناع المصريين أنها كانت جزءا من عمليات قمع منظم مارسه نظام مبارك بحقها، سياسيا أو اقتصاديا، غير أن ما رصدناه يحمل مدلولا مختلفا، فالواضح أنه كان هناك تفاهم ضمنى بين قيادات الجماعة ونظام مبارك، حول الحجم المتاح للممارسة السياسية للجماعة، وكذلك حجم الأنشطة الاقتصادية ومجالات الاستثمار التى لهم الحق فى الخوض فيها، بدليل حجم الاستثمارات التى حازها قطب اقتصادى إخوانى كبير مثل عبد الرحمن سعودى فى وزارات مبارك السيادية، الذى كما أشرنا إلى أن مبارك افتتح عديدا من مشروعاته هو وزوجته ووقع له فى سجل الزوار.
غير أن مساحة القمع للقيادات كانت تتم فى أضيق الحدود، حينما يتجاوزون الخطوط الحمراء لهذا التفهم الضمنى، وهو ما شاهدناه فى قضية ميليشيات الأزهر عام 2007، بينما ظل الضحية الدائمة هو شباب الجماعة الذين كانوا بمثابة سلعة محل للمقايضة وضمان ضبط الاتفاق بين قيادات الجماعة وداخلية مبارك.
على الرغم من كل التحفظات الاقتصادية التى حملها محللون وباحثون ومنشغلون بالرأى العام حول مضمون السياسات والممارسات الاقتصادية التى تمارسها الجماعة ورجال أعمالها، ظلت أسطورة النزاهة تغلف عمل تلك الجماعة ورجالها، على الأقل بين قطاعات شعبية رأت الجماعة ربما تريد الاستحواذ السياسى فى مصر، لكنها بعيدة عن الفساد المالى «كونهم بتوع ربنا» وهى ممارسات اتسم بها رجال النظام القديم، غير أن الوقائع التى أشرنا إليها فى حلقات سابقة تكاد تكون حطمت أسطورة الفشل والاستبداد النزيه، خصوصا أن الاستيلاء على المال العام، أو الاتهامات حوله، طالت أكبر الرؤوس الاقتصادية فى الجماعة، وهو عبد الرحمن سعودى وأسرته الذين تم اتهامهم بالاستيلاء على 220 مليون جنيه من المال العام، ومنعوا من التصرف فى أموالهم بقرار من النائب العام تحمل جريدة «التحرير» صورة منه.
خامسًا: شبهة التلاعب فى البورصة
تظل قرارات القطبين الماليين الكبيرين فى الجماعة «خيرت الشاطر - حسن مالك» بالتوجه نحو الاستثمار فى البورصة المصرية هو أمر غاية فى الخطورة، خصوصا أن هذين الشخصين هما الأقرب من الرئيس محمد مرسى، بل ربما الصانعان لقراراته السياسية والاقتصادية، وهو قرب يجعلهما على علم بكل قرار اقتصادى وسياسى يصدر، هذا ومن المعلوم لدى المتابعين لسوق الأوراق المالية أن أى قرار سياسى أو اقتصادى هام يترك انعكاسات سلبية أو إيجابية على سوق الأسهم، سواء بالارتفاع أو الانخفاض، وبالتالى فإن وجود تلك المعلومات لدى مالك والشاطر قبل صدورها، تتيح لهم بكل سهولة إدراك انعكاسات تلك القرارات قبل أن تصدر، ومن ثم اتخاذ قرارات بشأن تعاملاتهم سواء بالشراء فى حالة توقعات بارتفاع أسعار الأسهم، أو البيع المبكر فى حالة وجود توقعات بانخفاض السوق وفقا لقرارات أخرى. وهنا يبرز تساؤل مهم من الحتمى أن يتم إجراء تحقيق فيه، حول علم المتعاملين فى البورصة من قيادات الجماعة بقرارات هامة سياسية أو اقتصادية، وهل أقدموا على عمليات بيع أو شراء فى سوق الأسهم قبل صدور تلك القرارات التى جرت على مدار الأشهر الماضية منذ تولى محمد مرسى السلطة فى مصر؟
على الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أن يتحدث بشكل معلن عن علاقته بإبراهيم الزيات صاحب قضية غسل أموال الإخوان فى أوروبا وأبعاد تلك العلاقة
سادسا: علاقة د.عبد المنعم أبو الفتوح بعمليات غسل أموال الجماعة
لدينا ملاحظة أو ربما مجموعة من الملاحظات الهامة هنا وفى قلبها أسئلة أعتقد أنه من الواجب على الدكتور أبو الفتوح الإجابة عنها، حول طبيعة علاقته بإبراهيم الزيات، الذى أشرنا إلى اتهامه من قبل السلطات الألمانية فى فضيحة غسل أموال كبرى منذ أعوام، فى وقت كان الزيات يرأس وكالة الإغاثة الإسلامية التى كان من أبرز شركائها فى تلك الفترة اتحاد الأطباء العرب، بينما كان د.أبو الفتوح الذى كان عضوا فى الجماعة فى نفس الوقت هو الأمين العام للاتحاد فى آن واحد. يذكر أن السيد عصام الحداد هو عضو مجلس الأمناء بوكالة الإغاثة التى تجمع سنويا من هيئات قطرية وكويتية وسعودية ملايين الدولارات وفقا لتقارير وكالة الإغاثة نفسها. كذلك فقد حظى اتحاد الأطباء العرب فى تلك الفترة بعلاقات وثيقة مع عدد من أعضاء التنظيم الدولى الذين كانوا ينظمون حملات تبرعات فى الخارج لصالح «المسلمين» فى بقاع شتى من العالم، وهى صيغة أشرنا فى الحلقات إلى اعتماد الجماعة عليها فى عمليات تمرير أموال شابها اتهامات بغسل الأموال.
سابعا: متى يتحدث عبد المجيد محمود وفاروق العقدة وهشام رامز؟
أغلب الاتهامات الداخلية التى وجهت إلى جماعة الإخوان المسلمين حول عمليات غسل أموال مصادرها والمعلومات المتعلقة بها موجودة لدى شخصين بشكل أساسى، لدى المستشار عبد المجيد محمود النائب العام السابق، الذى أقاله محمد مرسى، وفاروق العقدة محافظ البنك المركزى السابق الذى أقاله محمد مرسى أيضا! وهى إقالة من وجهة نظر الكاتب متعلقة بالأساس بمحاولة إبعاد هؤلاء لأسباب سياسية تكفل للجماعة الهيمنة السياسية التامة، إضافة إلى إزاحة من يعلمون كثيرا عن حقيقة الجماعة وأموالها، خصوصا أن أغلب التحقيقات كانت تصب لدى عبد المجيد محمود فى النهاية، وتقارير التحقق من عمليات غسل الأموال كانت تصدر من قبل البنك المركزى وتقدم كسند فى تلك القضايا. وبالتالى فلو جاز لنا أن نسأل أحدا فالأسئلة موجهة إلى كلا الشخصين، قبل أن تتولى الجماعة المتربعة على عرش السلطة إخفاء كل الأدلة المتعلقة بتلك الوقائع، إن لم تكن قد أخفتها بالفعل بعد تعيين نائب عام جديد محسوب عليها. وهنا أيضا على السيد هشام رامز المحافظ الجيد للبنك المركزى، أن يطلب من إدارة البنك من منطلق الشفافية والمسؤولية فى لحظة انهيار اقتصادى تعيشه مصر أن تعلن عن تفاصيل الوقائع التى ذكرتها الجريدة وما يحمله البنك المركزى بشأنها إذا كان يؤمن بأن مكافحة الفساد هى فرض يسبق إغراق مصر بمزيد من الديون الخارجية لمعالجة كبوتها الاقتصادية.
أخيرا ما كشفته الحلقات التى تم نشرها، هى معلومات ما زالت بعيدة ولم تجب عن أسئلة هامة مثل، هل قامت جماعة الإخوان المسلمين أو رجال أعمالها بشراء شركات حيوية بعد انخفاض قيمتها السعرية فى ظل ظروف اقتصادية طاحنة تعيشها مصر الآن؟ أو على الأقل الشراكة فى تلك المؤسسات؟ وما حقيقة معلومات متداولة حول تأسيس الجماعة لجمعيات وروابط لرجال أعمال من الإخوان للاستثمار فى قطاعات الطاقة الحيوية فى مصر؟ وهل نجحت تلك المحاولات بالفعل؟
كثير من الملاحظات والأسئلة والمعلومات التى طرحناها على مدار عشر حلقات ما زالت فى حاجة إلى إجابة، لكن لا أحد يجيب








